سعيد يعقوب الفلسطيني

نبذة عن حياة المستبصر سعيد يعقوب:

 

ولد عام 1947 في عكا بفلسطين من أسرة الحجازي التي هاجر جدّها عام 1899م من الحجاز، وهي أسرة تنسب إلى الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، ثمّ واصل الدكتور دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة من امريكا، كما درس الطبّ أيضاً حتى اصبح طبيباً متخصصاً بالأمراض العصبية والنفسية.

وللدكتور سعيد يعقوب نشاطات أخرى منها أنّ له (14) كتاباً مطبوعاً عدا المقالات، كما أنّه عضو في اتحاد الكتاب العرب وعضو في جمعية البحوث والدراسات وعضو مؤسس في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق.

نشأ في اسرة تعتنق المذهب السني فبقى على هذا الانتماء حتى أخذت الأدلة التي حصل عليها عبر البحث يده عام 1989م فادخلته في مذهب التشيع الامامي الاثني عشري.

منطلقاته في البحث:

يرى الدكتور سعيد يعقوب أنّ الفكر ينبغي أن يتمتّع بالحيوية، ويقصد بذلك أن يكون الجانب الجدلي فعّالا في بنية المعتقد الاسلامي وأن يكون الفكر متوثباً لا يركن إلى الجمود. ويرى أيضاً أن من الخطأ أن يكون فكر الانسان محدداً بأطر لا يمكن تجاوزها أو الحيد عنها، لأنّ ذلك يؤدي إلى اقفال العقل، وهذا ما يمنع المرء من التقدّم العلمي والتقني في جميع الساحات.

ويرى الدكتور سعيد يعقوب أيضاً أن عقل كل انسان ينبغي أن يكون عقل مدقّق فاحص باحث عن المعرفة سائر إلى تطبيق مناهجه في كل زمان، وعلى كل أرض.

ومن هذا المنطق بدأ الدكتور سعيد يعقوب بحثه في جميع الأصعدة الدينية وغيرها، وبهذا المنهج سار في بحثه حتى بلغ المجال المذهبي ليحصل على العقائد المستندة إلى الأدلة والبراهين، فبحث في بطون الكتب وقارن بين أدلة المذاهب الاسلامية، وحاور ذوي الخبرة والاختصاص، ولم يفتر في بحثه قط، لأنّه رأى أنّ الخير كل الخير في استمرار المباحثات بين المسلمين، ورأى أنّ الخطأ كل الخطأ في اقفال بابها، والجام حوارها، لأن البحث معين يروى ظمأ المتعطش لمعرفة الحقيقة، وجنّة تورف بظلالها، وتكثر ثمارها وينبعث النفع منها كالريح الطيبة العطرة.

نبذة للتقليد الأعمى:

توجه الدكتور سعيد يعقوب إلى البحث، وهو يعتقد أنّ التقليد الأعمى وتلقي موروث الآباء والأجداد بلا تدقيق ولا تمحيص هو من أكبر العوائق التي تقطع طريق الباحث وتمنعه من التعرّف على الحقيقة، لأنّ الذين يصنع لهم آباؤهم منهجاً أو قيماً أو انظمة بلغت مراتب اعتقدوا أنّها هي الدين الذي لا ينبغي الحيد عنه، فإن هؤلاء لا يمتلكون القدرة على البحث، لأن هؤلاء قد تعوّدوا الاقتباس من الغير دون عناء الفحص والتدقيق، فلهذا تكون قدراتهم خاملة في مجال البحث.

فلهذا نبذ الدكتور سعيد يعقوب التقليد الأعمى لموروثاته العقائدية، وتجرّد عن كل عاطفة تربطه بالمعتقدات التي شبّ عليها، وتوجه إلى البحث بموضوعية تامة لترشده الأدلة والبراهين إلى الصواب.

اهتمامه بمبحث الإمامة:

إن مبحث الإمامة كان من أهم الأبحاث التي عنى بها الدكتور سعيد يعقوب، لأنه رأى أنّ الإمامة تشكّل دوراً اساسياً في حياة المسلمين، وأن البحث عنها في الواقع قد شغل مساحة كبرى في الفكر البشري عموماً ومنذ أقدم الأزمنة، وأنّ الامامة ضرورة انسانية نفسية وليست ضرورة مذهبية أو دينية مع ما يمثله الدين من ضرورات في حياة الناس.

ويقول الدكتور سعيد يعقوب في هذا المجال: إن الجدال في التراث الاسلامي حول هذا الموضوع قد أخذ بُعداً متميزاً، بحيث نجد من يعتبر الحديث في الامامة من غير المسموحات، وأن اخطر كل الخطر في الاقتراب منه!

انبهاره بشخصية الإمام عليّ(عليه السلام):

لم يعبأ الدكتور سعيد يعقوب بالأقوال التي لا تستند إلى دليل أو برهان، بل سار في بحثه حتى وصل إلى سيرة الإمام علي(عليه السلام) باعتباره المثل الأعلى للإمامة عند كافة المسلمين، لما حفل به من قدسية، بحيث لو ذكرت كلمة الامام ككلمة مفردة لتبادر إلى الذهن فوراً الإمام علي(عليه السلام)، ولما تمتّع به من صفات الانسان الكامل.

ولم تمض فترة من دراسة الدكتور لشخصية الإمام علي(عليه السلام) إلاّ وانبهر الدكتور بشخصية هذا الرجل العظيم تبيّن له أن الطريق إلى علي(عليه السلام) هو الطريق إلى الله عزّوجلّ وأن من استرشد الطريق إلى علي(عليه السلام) ودخل مدينة علم رسول الله(صلى الله عليه وآله)من بابها، صار إلى فناء الرحمة المحمدية، حتى يبلغ مرتبة من كشف عنه الحجاب.

تفاعله مع مدرسة الامام علي(عليه السلام)

ومن هذا المنطلق تفاعل الدكتور سعيد يعقوب مع فكر مدرسة الامام علي(عليه السلام)واغترف من نبعها حتى وروى بذلك ظمأه وغدى من اتباعه وانصاره ومحبيه، لأنه وجد الحق عنده وأنه ممن يهدي إلى الحق وأنه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله)بالحق وهو الذي نصّ عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالامامة من بعده في العديد من المواقف.

فلم يتريث الدكتور سعيد يعقوب بعدما انكشفت له الحقيقة كالشمس في رابعة النهار، فاعتنقها بكل ترحاب، وترك ما كان عليه فيما سبق واعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام).

مؤلفاته:

(1) “معراج الهداية، دراسة حول الامام علي ومنهج الامامة”: مخطوط.

صدر عن مركز الأبحاث العقائدية، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين.

يدور البحث في هذا الكتاب حول ثلاثة محاور رئيسية وهي:

المحور الأول: اظهار ماهية الامامة من الناحية النفسية والاجتماعية.

المحور الثاني: انطباق هذه الماهية في النتيجة على شخصيات محدودة.

المحور الثالث: الكيفية التي مارسها الامام علي(عليه السلام) في ارساء دعائم خطاب الاسلام الانساني.

(2) “آفاق النفس البشرية”.

(3) “علم النفس والطب النفسي عند العرب”.

(4) “السيرة التاريخية للحضارة العربية”.

(5) “جدلية النفس والشعر عند العرب”.

(6) “علم نفس الاطفال”.

(7) “دراسة في آليات التلاؤم النفسي”.

وغيرها.

وقفة مع كتابه: “معراج الهداية”

وهو دراسة حول الإمام علي(عليه السلام) ومنهج الامامة، يتكلم الكاتب عن مسار البحث في كتابه هذا، فيقول:

وسيكون لنا في مسيرتنا البحثية مواطن متعددة نقف عليها واحداً تلو الآخر، وتدور البحوث هنا حول ثلاثة محاور رئيسية هي:

المحور الأول: يدور حول إظهار ماهية الإمامة، في تناول يعتني بالجانب النفسي والاجتماعي من حياة الإنسان، وهذا الجانب هو الذي قادنا إلى تفصيل معنى الإمامة من الناحية اللغوية ومن ناحية الاصطلاح.

ولهذا المحور اتجاه نحو فهم شامل للإمامة، لا على أنها قيادة سياسية أو زعامة اجتماعية، أو على أنها نهج متقدم في شؤون الحياة، وإنما بما هي مصداق للنزوع الإنساني نحو الغاية من الوجود، ونحو الملاذ الذي يحتمى بكنفه، ويسعى من أجل بلوغه.

المحور الثاني: يدور حول انطباق هذه الماهية في النتيجة على شخصيات محدودة، تمارس مع تتابع الأزمنة أدواراً رسالية من جهة، وتمثل مرتكزاً هو من أهم المرتكزات العقائدية لدى البشرية كلها.

وهنا سوف نتوسع في استعراض النصوص المقدسة التي تؤيد ما نذهب إليه، ونجلو بعد ذلك الصورة التي بلغناها في معرفة هذا الانطباق.

المحور الثالث: ويكون لنا فيه سياحة مع الكيفية التي مارسها الإمام عليّ(عليه السلام)في إرساء دعائم خطاب الإسلام الإنساني ـ هذا الخطاب الذي باشره النبيّ الكريم محمد(صلى الله عليه وآله)، وكانت البشرية جميعها هي المقصودة من ورائه، وليس فقط فئة من الناس، ولا أمة من الأمم ـ.

ويفصّل الكاتب ما أوجزه هنا بالقول:

والحقّ أنّ عملنا هنا ينصبّ بالدرجة الأُولى على مفهوم الإمامة، وليس على وظيفة الإمام، مع ما سيكون من فروع تتفرع عن هذا الفهم، لأنّ الانطلاق من المفهوم إلى المصداق هو الذي يعين على تلمّس معرفة أسباب الاختلاف الذي نشب بين الآراء التي بحثت موضوع الإمامة في الإسلام، ونحن نعلم المدى الذي شغله هذا الموضوع من الفكر الإسلامي، لكن الأمر أوسع من ذلك، فهو موضوع في الواقع يشغل مساحة كبرى من الفكر البشري عموماً ومنذ أقدم الأزمنة، بمعنى أنه ليس بدعة خاصة جاء بها الإسلام، لكن ووفق المنهج الذي اتبعناه، تبيّن لنا أنّها في عمق الحقيقة البشرية وعمق النفس الإنسانية، أيّ أنّ الإمام ضرورة إنسانية نفسية وليس ضرورة مذهبية أو دينية مع ما يمثله الدين من ضرورات في حياة الناس.

ولمّا كان الجدال في التراث الإسلامي حول هذا الموضوع قد أخذ بعداً متميزاً، بحيث نجد من يعتبر الحديث في الإمامة من غير المسموحات، وأنّ الخطر كل الخطر في الاقتراب منه! ونجد أيضاً نقيض هذه الفكرة لدى أطراف أُخرى، كما نجد من وقف في المنطقة الوسطى بين هذين الأمرين، رأينا أنّ المجال يتّسع لحمل هذا الأمر محمل البحث الجديد لما فيه من خير وفائدة، مستعينين بالإضافة إلى العلوم المتبعة في هذا المجال بعلم النفس الذي يقدم لنا خدماته في هذا المجال، والذي هو مجال تخصصي ودراستي أصلا.

والجانب الآخر الذي رأينا أنه من الضرورات بحثه أيضاً، هو الجانب التطبيقي لما تصل إليه نظرية الإمامة. ولمّا كان الإمام علي هو المثل الأعلى للإمامة عند كافة المسلمين لما حفل به من قدسية، بحيث لو ذكرت كلمة الإمام ككلمة مفردة لتبادر إلى الذهن فوراً الإمام عليّ، ولما تمتع به من صفات الإنسان الكامل، الذي قصدت مجمل الديانات السماوية والفلسفات الكبرى سبيل بناء الإنسان بناء يسير به نحو أن يحذو حذو هذا المثال، لذلك فقد اخترنا أن نتحرك داخل أجوائه، ونتعرف على حقيقة الهدف الإلهي من وراء جعله إماماً للناس كافة، وهذا قد لا يتحقق يقيناً بغير ما ينبغي أن يعرف أولاً عن مفهوم الإمامة، ثم بعد ذلك قد تنكشف الحجب وتظهر للمهتم الصورة العلوية المباركة.

وقد سعينا في الختام إلى ربط الإمامة تاريخياً بالبعد الإنساني عامّة، إدراكاً منا أنّها لم تنقطع يوماً من الأيام، ولم تنفصل عن مسيرته البشرية، ولم يتأت هذا الإدراك اعتباطاً، بل جاء متوافقاً مع نتائج علوم جمّة تناولت التاريخ الإنساني، بأبعاده الحضارية وما فيها من إرث يسجل تطلع الإنسان إلى هدف يسعى من أجل بلوغه، وإلى ملاذ يلجأ إليه، وإلى مثال يتطلع نحو كماله، ويعدّه الغاية النهائية لحقيقة سعيه.